تناول الكاتب كرم نَما تصاعد الخطاب الأمريكي تجاه إيران، متسائلًا عما إذا كانت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تمثل تحولًا استراتيجيًا يقود إلى مواجهة عسكرية جديدة، أم أنها تندرج ضمن أسلوبه السياسي المعتاد القائم على التصعيد اللفظي لتحقيق مكاسب تفاوضية. ويرى الكاتب أن اختيار أنقرة لإطلاق هذه الرسائل يحمل دلالات سياسية وجغرافية تتجاوز حدود التصريح نفسه.
وسلط الكاتب في مقاله الذي نشره موقع ميدل إيست مونيتور الضوء على أبعاد تصريحات ترامب خلال قمة حلف شمال الأطلسي في أنقرة، وما تثيره من تساؤلات حول مستقبل العلاقات الأمريكية الإيرانية.
اختيار أنقرة يحمل رسائل سياسية
يرى الكاتب أن اختيار ترامب العاصمة التركية لإعلان انتهاء مذكرة التفاهم مع إيران لم يكن مصادفة، لأن أنقرة تمثل نقطة التقاء بين المصالح الأمريكية والإيرانية والتركية، كما تؤدي أدوارًا متباينة بين الوساطة والمنافسة والشراكة بحسب تطورات الملفات الإقليمية.
ويشير إلى أن إعلان ترامب انتهاء التفاهم مع طهران، ورفضه التعامل مع ما وصفهم بـ"القادة المرضى"، يتجاوز مجرد التعبير عن الغضب، إذ يوجه رسالة إلى حلفاء واشنطن وخصومها في وقت يتابع فيه العالم أعمال قمة الناتو، محاولًا إعادة صياغة صورة العلاقة مع إيران بعد موجة التصعيد العسكري الأخيرة.
لغة التصعيد أم ورقة تفاوض؟
يؤكد الكاتب أن تصريحات ترامب تثير شكوكًا حول مدى إمكانية الاعتماد عليها كمؤشر سياسي ثابت، نظرًا لسجل الرئيس الأمريكي في الانتقال السريع بين التهديد والدعوة إلى التفاوض. فقد يهاجم القيادة الإيرانية في يوم، ثم يعرض إبرام "صفقة كبرى" معها إذا رأى مصلحة سياسية أو اقتصادية.
ويضيف أن وصف القيادة الإيرانية بأوصاف حادة لا يقتصر على الإهانة، بل يسهم في بناء صورة ذهنية للخصم أمام الرأي العام الأمريكي والحلفاء، بما يسهل تبرير أي تصعيد لاحق. لذلك يطرح الكاتب سؤالًا حول ما إذا كانت هذه اللغة تعكس تغييرًا حقيقيًا في الاستراتيجية الأمريكية، أم أنها وسيلة لرفع سقف الضغوط قبل العودة إلى طاولة المفاوضات بشروط مختلفة.
كما يلفت إلى أن ترامب هاجم خلال القمة أيضًا إسبانيا وهددها بإجراءات تجارية، وهو ما يعكس استخدامه المناسبة لتصفية خلافات متعددة في وقت واحد، الأمر الذي يدفع إلى التساؤل عما إذا كان موقفه من إيران جزءًا من حالة سياسية عامة أكثر من كونه خطة مدروسة تجاه طهران.
الكلمات ساحة صراع جديدة
يرى الكاتب أن توقيت التصريحات يضاعف أهميتها، إذ جاءت عقب تبادل الضربات العسكرية في الخليج واستهداف قواعد تضم قوات أمريكية، ما يمنحها أبعادًا تتجاوز الخطاب الإعلامي، ويجعلها عنصرًا إضافيًا في معادلة الردع والضغط النفسي.
ويشير إلى أن تجربة السنوات الماضية أظهرت أن ترامب يستخدم اللغة السياسية أداة تكتيكية، فيرفع حدة الخطاب عندما يحتاج إلى الضغط، ثم يخفضها عندما تقتضي المصلحة عقد اتفاق. لذلك لا ينظر إلى تصريحاته باعتبارها نهاية مرحلة، بل جزءًا من لعبة سياسية أوسع.
ويؤكد الكاتب أن تجاهل هذه التصريحات بدعوى أنها تعبر فقط عن أسلوب ترامب سيكون خطأ، لأن كل رسالة من هذا النوع تؤثر في حسابات الدول المعنية. فإيران تراقب هذه التصريحات وتبني عليها تقديراتها الأمنية والسياسية، كما تتابع تركيا الرسائل التي يطلقها الرئيس الأمريكي من عاصمتها، لتحدد ما إذا كانت تستطيع تعزيز دورها كوسيط أم أنها تواجه تصعيدًا يقترب أكثر من حدودها.
ويختتم الكاتب بالتأكيد على أن العالم يواجه مرحلة جديدة أصبحت فيها الكلمات جزءًا من ساحة الصراع، ولم تعد مجرد تعبير عن السياسات.
ويخلص إلى أن السؤال الحقيقي لم يعد يقتصر على احتمال اندلاع حرب جديدة، بل يمتد إلى كيفية قراءة السياسة الدولية عندما تتحول التصريحات نفسها إلى أدوات ضغط وتأثير لا تقل أهمية عن التحركات العسكرية.

